المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : التنوير بين الحقيقة والزيف


همة فتاة
21-04-2008, 11:46 PM
( التنوير ) بين الحقيقة والزيف ..
حينما نستنطق معاجم اللغة للبحث عن معنى مفردة التنوير نجد ( كما في مختار الصحاح ) أن معنى التنوير هو : الإنارة و الإسفار ، لذا لزم من أراد القيام بمهمة ( التنوير) أن يكون حاملاً لنور( حقيقي ) وليس( زائفاً ) ، ولا شك أن كل من انتسب لدين الإسلام وآمن بمرجعية الوحي يعلم أن النور ( الحقيقي )هو ماكان هبة من الله سبحانه ـ خالق النور ـ للأتقياء من عباده ( يهدي الله لنوره من يشاء ) (النور : 35) ، فهو سبحانه الذي أنقذهم من مسالك الباطل المظلمة إلى درب الحق المنير(الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ) ( البقرة : 257) ، وشرح قلوبهم للهداية مستنيرين بنور الله( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهوعلى نورمن ربه)( الزمر 22) ، وتفضل بإنزال كتابه الذي به نور دينهم ودنياهم ( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم ) ( المائدة : 15ـ 16 ) ، فيهديهم إلى طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة ، وينجيهم من المهالك ، ويوضح لهم أبين المسالك فيصرف عنهم المحذور، ويحصل لهم أحب الأمور، وينفي عنهم الضلالة، ويرشدهم إلى أقوم حالة ( كما قال ابن كثير رحمه الله ) ، لذا كانت حياة الواحد منهم ( نور على نور) يقول أبيّ بن كعب ـ رضي الله عنه في قوله تعالى نورعلى نور) (النور : 35) : ( فهو يتقلب في خمسة من النور: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة ) ، وشتان بين من رزقه الله نوراً ( حقيقياً ) يمشي به في الناس ، وبين من كان غارقاً في لجج الظلام يتخبط في حياته بغير هدى من الله كما قال تعالى : ( أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها ) ( الأنعام : 122) يقول ابن كثير ـ رحمه الله ـ : ( هذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمن الذي كان ميتاً ، أي في الضلالة هالكاً حائراً، فأحياه الله أي أحيا قلبه بالإيمان، وهداه له ووفقه لاتباع رسله، {وَجَعَلْنَا لَهُۥ نُورًا يَمْشِي بِهِۦ فِى ٱلنَّاسِ} أي يهتدي به كيف يسلك وكيف يتصرف به، كمن مثله في الظلمات ) أي الجهالات، والأهواء والضلالات المتفرقة، ( ليس بخارج منها ) أي لا يهتدي إلى منفذ ولا مخلص مما هو فيه، وفي مسند الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنه قال «إن الله خلق خلقه في ظلمة ، ثم رش عليهم من نوره، فمن أصابه ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل» ( تفسير ابن كثير ) . وإذا كان النور الذي يهبه الله لعبده من أعظم مننه عليه ، فإن من أعظم العقوبات على العبد أن يحرم نور الله ( ومن لم يجعل الله له نوراً فماله من نور ) ( النور : 40 ) قال الطبري : ( من لـم يرزقه الله إيـمانا وهدى من الضلالة ومعرفة بكتابه، فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ) ، أجل هو محروم من النور مهما كان حاملاً لأعلى الشهادات الأرضية وقارئاً لمئات الكتب والمدونات ، فهو يعيش في ( ظلمات بعضها فوق بعض ) ( النور : 40 ) قال أبي بن كعب ـ رضي الله عنه ـ : ( فهو يتقلب فـي خمس من الظُّلَـم : فكلامه ظلـمة، وعمله ظلـمة، ومَدخـله ظلـمة، ومَخرجه ظلـمة، ومصيره إلـى الظلـمات يوم القـيامة إلـى النار) . روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم « القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح. فأما القلب الأجرد: فقلب المؤمن سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق، عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب،ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها الدم والقيح، فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه» قال ابن كثير: إسناده جيد. لذا كان الأحق بوصف ( التنوير ) هو من كان معظماً لقيم الشرع وعارفاً بمرادات الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وراجعاً حين التحاكم إلى نور الله ( الكتاب والسنة ). وساعياً لكل ( تنوير ) يفتح للعقل( في حدود طاقته وإمكاناته ) آفاقاً رحبة ومساحات واسعة لاتحيد عن هدايات الوحي المعصوم ، ومنطلقاً في مشروع البناء الحضاري من رؤية شرعية من مرجعية الوحي الإلهي الذي يضبط المسيرة ويحميها من الضلال والانفلات والفهوم المنكوسة ، ويبين المنطلق ويحدد الهدف ويضع الإشارات الهادية على الطريق ليحمي الإنسان من الزلل والسقوط ، وحاملاً لواء ( التنوير ) الذي يرفع المعنويات ويشجع الإبداع ويشحذ الهمم للمنافسة في مضمار الحضارة وفق رؤية إسلامية للكون والحياة والإنسان . هذا هو ( التنوير الحقيقي ) الذي سيمنح الحضارة حاجتها المفقودة وينفخ فيها بالروح الغائبة لاسترداد إنسانية الإنسان والاهتمام به جسداً وروحاً وتحقيق سعادته ، لأنه هو معيار الحضارة الحقيقي . ثم إننا بفاعليتنا ونفضنا غبار الكسل واللهو والانتقال من مرحلة التصفيق لحضارة الغرب إلى مرحلة الأخذ بأسباب التقدم (مستنيرين بنور الله ) نكون قد شققنا الطريق نحوغرفة القيادة الحضارية والسير بها وفق هدايات الوحي المعصوم لإلحاق الرحمة بالعالمين .  أما ( دعاوى التنوير ) التي تقوم على التجرؤ على القطعيات والثوابت الشرعية ومواطن الإجماع النظري أو العملي المسلم به في تاريخ المسلمين وتعمد إلى تحريف دلالات نصوص الوحي لتوافق أهواء أصحابها وتدعو إلى التخلي عن الذات والانسلاخ من الهوية والقبول المطلق للثقافة الغربية وقيمها ومنطلقاتها واستنساخ مسيرتها كاملة ( دون تمحيص وانتقاء ) والاكتفاء بمرحلة الإنبهار والتصفيق لها وتقليدها و استيراد قيمها مع منتجاتها و جعلها (أي القيم الغربية ) ميزاناً للقبول والرفض للمواريث الإسلامية ، أقول إن تنويراً هذا منهجه هو في الحقيقة ( تضليل ) عن هدايات الوحي المنقذ للبشرية من ظلمات الكفر والجهل والعمى بمايصلح الحياة ، وجهل بتباين الظروف والبيئات واختلاف المنطلقات ( بين المجتمعات الإسلامية والغربية ) وتعام عن الفرق بين الوحي المعصوم (الإسلام ) الذي شجع العلم وفضل العلماء وحث على التفكير وبين ( النصرانية المحرفة ) التي كان رجال الكنيسة فيها معادين للعلم وخانقين لصوت العقل ، كما أن هذا ( التضليل) سيجعل من مجتمعاتنا محلاً للنفايات الحضارية ، ويكون سبباً في العطالة العقلية النقدية للوافد الغربي وبالتالي شل الإمكانية وتعطيل الدافعية وتخدير محاولات السعي للشراكة الحضارية معه ملامح من منهج أدعياء التنوير وأساليبهم في ترويج أفكارهم : 1ـ عندما رأى أدعياء التنوير أن نصوص الوحي المعصوم ( الكتاب والسنة ) ـ والتي يعظمها المجتمع ـ تتعارض مع كثير من منطلقاتهم ورؤاهم تباينت مواقفهم في التعامل معها : فمنهم من دعى إلى التجديد في صياغة الدين صياغة يستدعيها موقفهم القيمي ، وإعادة قراءة نصوص الشرع قراءة جديدة تتوافق مع رؤاهم وتلبسها لبوساً شرعياً يكسبها رواجاً وقبولاً في المجتمع، ونادى بضرورة فك احتكار فهم علماء الشريعة لدلالات الوحي ( حسب زعمه ) وبالتالي تصبح حمى مستباحاً يخوض فيها كل أحد مهما قل حظه من العلم الشرعي وفقد أدوات البحث والاستنباط وأصول الاستدلال وفقه تنزيل الأحكام في الشريعة بل ربما خاض فيها من لايجيد قراءة قصار السور ولا يحسن الوضوء .ومنهم من فزع إلى التراث الإسلامي بحثاً عن آراء شاذة وأقوال غريبة توافق رأيه وتصبغه صبغة تراثية . ومنهم من دعى إلى دراسة الوحي بصفته نصاً تراثياً بمنهج عقلاني ، يتمثل فيما وصل إليه الفكر المعاصر من أدوات نقدية متحرراً من الشعور التقديسي للنص من جهة ، ومن الضوابط التي صاغها العلماء المسلمون بصفتها منهجاً لدراسة النصوص الشرعية ومعرفة مرادات الله سبحانه فيها من جهة أخرى ، أما الغلاة من أصحاب هذا الاتجاه ( في العالم العربي ) فقد وصل بهم الحال إلى رفض نصوص الوحي والتشكيك بصحتها ، بل بصحة الدين كله واعتباره انتاجاً خيالياً تركته لنا الثقافة العربية ، كما يقول صادق العظم .
2ـ نقدهم اللاذع للتيار السلفي ومناداتهم لأصحابه ب( الماضويين ) و( التقليديين ) ووصمهم بأوصاف التخلف والرجعية والجمود والتقليد ، في الوقت الذي يزعمون لأنفسهم أنهم دعاة التنوير ويصفون مناهجهم بالتقدمية والإبداع ومواكبة العصر والتطورية . والعجيب أنهم وقعوا فيما عابوا به أصحاب التيار السلفي ، فدورهم ( أي أدعياء التنوير ) يقتصر ( في الغالب ) على ترجمة أفكار أساتذتهم الغربيين القدامى والمحدثين، واستعراض مقولاتهم وأطروحاتهم ، بمعنى أنهم لا يولدّون الافكار ولا يبتكرونها، بل هم يستخلصونها من الغير، ثم يحاولون فيما بعد فرضها على واقع عربي لم يتمكنوا من كسب ثقته ، أما ( الماضي ) الذي يعيبون على غيرهم الرجوع إليه ، فهو ماض باعتبار ( زمن ) نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلقي الناس له ، ولكن هذا الوحي متجرد عن حدود ذاك الماضي ومكانه ؛ لأنه من عند الله الذي أمد خلقه به لحاضرهم ومستقبلهم إلى أن تقوم الساعة ، حيث جعل محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ؛ لتبقى هدايته هي الدين المرضي عند الله تعالى إلى يوم القيامة . وفي المقابل نجد أنهم ( أدعياء التنوير ) وقعوا أسرى للماضي الأوروبي الذي مضى عليه أربعة قرون، وتجاوزه الواقع الأوروبي بمراحل، و أصابتهم حالة من الاستلاب للآخر الغربي الذي أصبح مرجعية سلطوية تحظى من القداسة والإيمان بما تحظى به نصوص الوحي عند المؤمنين به.
الجزء الأول من الموضوع