أم البراء
10-04-2008, 02:03 PM
وصايا للداعية الجديد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن واله وبعد :
استيقظ الإيمان في قلوب الكثيرين , فكان أن عادوا إلى الله , واستقاموا على دينه , وتحركت الغيرة عندهم من تجاوز استقامة النفس إلى السعي في الإصلاح والدعوة إلى الله .
وهذا دليل قوة قناعتهم بأهمية الالتزام بشرع الله , كما أنه علامة على صدق أخوتهم ونصحهم للأمة بعامة .
ولكن كعادة كل مستجد في ميدان لا يدركه , وكل مبتدى في فن لا يحسنه تجد هؤلاء الجدد في ميدان الدعوة يحسنون تارة ويخطئون أخرى , وذلك لضعف علمهم وقلة خبرتهم , لذا كان لزاما
على من كان له قدم سبق في هذا المضمار أن يدلي بدلوه , فيهدي لهم الوصايا والإرشادات , والتي جمعت من كتابات تناثرت في كتب الدعاة ومقالاتهم , وغايتنا من هذا الجمع تقريبها وتيسيرها للدعاة الجدد –وفقهم الله- وكلها تحت مظلة قوله تعالى ( قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي) يوسف108
وقوله تعالى ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) النحل 125
ومن جملة هذه الوصايا الرائعة ما يلي :
1) صاحب الإخلاص في دعوتك :
فالواجب على الداعية الجديد فضلا عن غيره أن يستشعر دوما أن الدعوة إلى الله عبادة يتقرب بها إليه , وكل عبادة لا تقبل إلا إذا أخلص صاحبها فيها كما قال الله في الحديث القدسي :" أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه " رواه مسلم .
ومما ينافي إخلاص الداعية أو يعكر عليه صدق نيته :
1- أن يبتغي بدعوته طمعا دنيويا أو رفعة وجاها ً.
2- أن يبتغي بدعوته طلب محمدة الناس ولفت أنظارهم إليه .
3- أن يطلب من وراء بذله الدعوي الرئاسة وتكثير الأتباع بين يديه .
4- أن يبتغي بدعوته إثبات وجوده ومنافسة أقرانه .
3) لا تنس فضل الدعوة :
فإن مما يعين على مواصلة الطريق , ويشحذ الهمم لدوام التحرك الدعوي , أن يتذكر الداعية فضل الدعوة وأجرها العظيم .
ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أصحابه بهذا الفضل ليشجعهم , ومن ذلك أنه قال يوما لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه –من حديث طويل- قال صلى الله عليه وسلم :" فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حُمر النعم " رواه البخاري ومسلم .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" نضَّر الله تعالى عبدا سمع مقالتي فحفظها , ووعاها وأداها , فرُب حاملِ فقهٍ غيرُ فقيه , ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقه منه " رواه أحمد وغيره
ومما يدل على دوام فضل الدعوة وبقاء أجرها للداعية قوله صلى الله عليه وسلم :" من دعا إلى هُدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ... " رواه مسلم بتمامه.
4) دعوتك واجبٌ عليك :
فينبغي على الداعية الجديد أن يعلم أن نشاطه الدعوي ليس نفلاً يتفضلُ به على دينه , بل هو واجب لا تبرأ الذمةُ إلا به , وحقٌ للمسلمين لا يجوزُ التقصير فيه , قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله :" فعند قلة الدعاة , وعند كثرة المنكرات , وعند غلبة الجهل كحالنا اليوم , تكون الدعوة فرض عين على كل واحد بحسب طاقته " .
وقال في موضع آخر :" ونظرا إلى انتشار الدعوة إلى المبادئ الهدامة وإلى الإلحاد , وإنكار رب العباد , وإنكار الرسالات , وإنكار الآخرة وانتشار الدعوة النصرانية في الكثير من البلدان , وغير ذلك من الدعوات المضللة , نظرا إلى هذا فإن الدعوة إلى الله عز وجل اليوم أصبحت فرضا عاما , وواجبا على جميع العلماء " .
وبهذا نعلم أن " كل واحد من الأمة يجب عليه أن يقوم من الدعوة بما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره وهو قادر عليه فعليه أن يقوم به , ولهذا يجب على هذا أن يقوم بما لا يجب على ذاك , وقد تقسطت الدعوة على الأمة بحسب ذلك تارة وبحسب غيره أخرى , فقد يدعو هذا إلى اعتقاد الواجب , وهذا إلى عمل ظاهر واجب , وهذا إلى عمل باطن واجب , فتنوع الدعوة يكون في الوجوب تارة , وفي الوقوع تارة " .
والأدلة على ذلك من نصوص الكتاب والسنة كثيرة , منها :
قوله تعالى ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) آل عمران104
وفي هذه الآية " حمَّل الله هذه الأمة واجب الدّعوة إلى الخير , نظرا إلى أن هذا الدين قد أشتمل على الخير الذي تدركه العقول السليمة .. , وحمّلها واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل جماعات المسلمين الذين عرفوا أوامر الدين وعرفوا حُسنها .. وعرفوا نواهي الدين وعرفوا قُبْحَها .. "
5) لا تنس نفسك من الهُدى :
فإن الداعية في زحمة الهموم الدعوية والمشاغل اليومية قد يهتم بالآخرين لكنه ينسى نفسه , ويغفل عن تربيتها على الخير والهُدى , " وهنا تحدث له آفات لا يشعر بها إلا بعد حين , ومنها خواء النفس وقسوة القلب وفتور الهمة , بل وانحراف النية أحيانا .."
6) كـُـــن قدوة حسنة :
وهذا يعني أن يكون الداعية صورة صادقة لكل ما يدعو إليه ويريد غرسه في المدعوين , بل أن يكون فعله وسلوكه قبل قوله وكلامه .
والاقتران بين الداعية والدعوة قائم في أذهان الناس , والداعية نفسه شهادة للدعوة , وهذه الشهادة قد تحمل الناس على قبول الدعوة , وقد تحملهم على ردها ورفضها والداعية عندما يكون بعيدا ً عن الالتزام بواجبات الإسلام وتكاليفه فإنه يكون فتنة للناس يصرفهم بسلوكه عن دين الله ويصير مثله كمل قاطع الطريق بل هو أسوأ .
ومما يرهب من مخالفة القول العمل ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :" يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه , فيدور فيها كما يدور الحمار في الرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون : يا فلان , الم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول : بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه " .
7) خاطب الناس على قدر عقولهم :
فالواجب على الداعية أن يرعِ جهل الناس واختلاف بيئتهم حتى لا تكون دعوته فيهم فتنة لهم ... قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه :" حدثوا الناس بما يعرفون , ودعوا ما ينكرون , أتحبون أن يكذّب الله ورسوله " رواه البخــــــــــاري .
ومن صور عدم مراعاة ما يفهمه الناس ما يلي :-
1- أن يطرح الداعية الخلافات الفقهية بتوسع بحيث لا يفقه الناس الراجح من المرجوح فيختلط عليهم الأمر .
2- أن يتكلم الداعية في مسائل دقيقة مثل القضاء والقدر مما يسبب للسامعين إشكالات هم في غنى عنها .
8) إنما أنت مُذكر :
وجه الله تعالى رسوله محمدا ً صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى عندما أمره بالدعوة والتبليغ ولم يطالبه بالنتيجة , فقال ( فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ) الشورى48
فالمطلوب من الداعية أن يبذل قصارى جهده , وأن يستخدم أحسن ما يستطيع من الأساليب ووسائل الدعوة , وأما استجابة المدعوين وقبولهم للحق وتركهم للمنكر فكل ذلك إلى الله يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله , ومن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما ربك بظلاّم للعبيد .
ومن فوائد استشعار الداعية لذلك أن لا يصاب بالإحباط عند إعراض المدعوين عنه , وفيه حفظ لمشاعره وصون لنفسه , ومن ذلك قول الله لنبيه ( فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) فاطر8
9) لا دعوة إلا بعلم :
فعلى الداعية أن يعتقد أن لا دعوة بلا علم , والله تبارك وتعالى قال ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) الإسراء36
فلا يجوز لأيٍّ كان أن يقوم , بما ليس مؤهلا ً له , لئلا يفتي بغير علم أو يدعو بغي الأسلوب الحكيم , فيكون في الدين محرما ً , أو من الإسلام منفرا , ثم إن الدعوة على الله على غير علم خلاف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم , ومن تبعه .. والله أمر نبيه محمدا ً صلى الله عليه وسلم فقال ( قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) يوسف108
ولذا , دعوتك لا بد أن ترتكز على معرفة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لأن كل علم يتلقى عن سواهما فإنه يجب أن يعرض عليهما أولا ً وبعد عرضه فإما أن يكون موافقا ً أو مخالفا ً , فإن كان موافقا ً قـُـــبل , وإن كان مخالفا ً وجب رده على قائله كائنا ما كان .
10) جدد علمك وطور مهاراتك :
فالداعية لا يليق به أن يقف عند حد من العلم الشرعي بل عليه أن يستزيد منه يوما بعد يوم , فكلما زاد نفسه فقه في الدين كلما استطاع أن ينفع ذاته والآخريـــن .
ولا يصح مبررا ً للتوقف عن طلب العلم كثرة الانشغال بالأمور الدعوية فإن الناس لن يعذروا الداعية عند وقوعه في الزلل واخطأ ولن يقبلوا منه اعتذاره بالجهل .
11 ) لتكن جهودك الدعوية مكملة لبقية الدعاة :
ويمكن استفادة هذا المعنى من دعوة الله للمؤمنين في قوله ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ... ) آل عمران104
فلقد سمى الله فئة الدعاة أمة للإيماء إلى وجوب كونهم مجتمعين على صفات وخصائص روابط متميزة تجعلهم ظاهرين في الناس كأمة واحدة لا تغرق بين أفرادها ولا اختلاف ولا تنازع على الدنيا التي تغذيها الشهوات والهوى .
12) كن مدركا لواقعك :
فإن معرفة الواقع العام للمجتمع يساعد الداعية على الاستفادة من كل فرصة سانحة , وحال الدعاة يشهد على أن فقه واقعهم سبيلٌ متأكد لنجاحهم في تحديد الأولويات فيما يدعون إليه .
13) ولا تتبع الهوى :
قد جعل الله إتباع الهوى مضادا ً للحق , وعدّه قسيما ً له كما في قوله تعالى ( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ) ص26
قال الشاطبي : فقد حصر الأمر في شيئين : الوحي , وهو الشريعة والهوى فلا ثالث بينهما وإذا كان الأمر كذلك فهما متضادات .. فإتباع الهوى مضاد للحق .
14) فاصبر صبرا ً جميلا ً :
فإن اعتياد الناس على معاصيهم , ودوام غفلتهم يحتاج إلى جهد دعوي مستمر , ولا يكون ذلك إلا بالصبر والمصابرة .
وعلى الداعية أن يوطن نفسه على تحمل كل ما يصيبه من أذى في ذات الله ويصبر ويحتسب لأنه يدعو إلى الانخلاع عن أخلاق وعادات وأعراف وتقاليد تأصلت في الناس حتى صارت كأنها جزء من حياتهم وما أنزل الله بها من سلطان , وهذا يؤدي إلى معارضته معارضة شديدة .
وصبر الداعية لا بد أن يشمل ثلاثة أمور وهي : الصبر على الدعوة , والصبر على من يعترض الدعوة , والصبر على ما يتعرضه من الأذى .
تم بحمد الله وتوفيقه ,,
المرجع : كتاب وصايا للداعية الجديد ( وقد ذكرته هنا مختصرا ً ليسهل قراءته واستيعابه )
المؤلف : عادل بن محمد العبدالعالي ..
المصدر / قافلة الداعيات
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن واله وبعد :
استيقظ الإيمان في قلوب الكثيرين , فكان أن عادوا إلى الله , واستقاموا على دينه , وتحركت الغيرة عندهم من تجاوز استقامة النفس إلى السعي في الإصلاح والدعوة إلى الله .
وهذا دليل قوة قناعتهم بأهمية الالتزام بشرع الله , كما أنه علامة على صدق أخوتهم ونصحهم للأمة بعامة .
ولكن كعادة كل مستجد في ميدان لا يدركه , وكل مبتدى في فن لا يحسنه تجد هؤلاء الجدد في ميدان الدعوة يحسنون تارة ويخطئون أخرى , وذلك لضعف علمهم وقلة خبرتهم , لذا كان لزاما
على من كان له قدم سبق في هذا المضمار أن يدلي بدلوه , فيهدي لهم الوصايا والإرشادات , والتي جمعت من كتابات تناثرت في كتب الدعاة ومقالاتهم , وغايتنا من هذا الجمع تقريبها وتيسيرها للدعاة الجدد –وفقهم الله- وكلها تحت مظلة قوله تعالى ( قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي) يوسف108
وقوله تعالى ( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) النحل 125
ومن جملة هذه الوصايا الرائعة ما يلي :
1) صاحب الإخلاص في دعوتك :
فالواجب على الداعية الجديد فضلا عن غيره أن يستشعر دوما أن الدعوة إلى الله عبادة يتقرب بها إليه , وكل عبادة لا تقبل إلا إذا أخلص صاحبها فيها كما قال الله في الحديث القدسي :" أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه " رواه مسلم .
ومما ينافي إخلاص الداعية أو يعكر عليه صدق نيته :
1- أن يبتغي بدعوته طمعا دنيويا أو رفعة وجاها ً.
2- أن يبتغي بدعوته طلب محمدة الناس ولفت أنظارهم إليه .
3- أن يطلب من وراء بذله الدعوي الرئاسة وتكثير الأتباع بين يديه .
4- أن يبتغي بدعوته إثبات وجوده ومنافسة أقرانه .
3) لا تنس فضل الدعوة :
فإن مما يعين على مواصلة الطريق , ويشحذ الهمم لدوام التحرك الدعوي , أن يتذكر الداعية فضل الدعوة وأجرها العظيم .
ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أصحابه بهذا الفضل ليشجعهم , ومن ذلك أنه قال يوما لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه –من حديث طويل- قال صلى الله عليه وسلم :" فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حُمر النعم " رواه البخاري ومسلم .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" نضَّر الله تعالى عبدا سمع مقالتي فحفظها , ووعاها وأداها , فرُب حاملِ فقهٍ غيرُ فقيه , ورُبَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقه منه " رواه أحمد وغيره
ومما يدل على دوام فضل الدعوة وبقاء أجرها للداعية قوله صلى الله عليه وسلم :" من دعا إلى هُدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ... " رواه مسلم بتمامه.
4) دعوتك واجبٌ عليك :
فينبغي على الداعية الجديد أن يعلم أن نشاطه الدعوي ليس نفلاً يتفضلُ به على دينه , بل هو واجب لا تبرأ الذمةُ إلا به , وحقٌ للمسلمين لا يجوزُ التقصير فيه , قال سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله :" فعند قلة الدعاة , وعند كثرة المنكرات , وعند غلبة الجهل كحالنا اليوم , تكون الدعوة فرض عين على كل واحد بحسب طاقته " .
وقال في موضع آخر :" ونظرا إلى انتشار الدعوة إلى المبادئ الهدامة وإلى الإلحاد , وإنكار رب العباد , وإنكار الرسالات , وإنكار الآخرة وانتشار الدعوة النصرانية في الكثير من البلدان , وغير ذلك من الدعوات المضللة , نظرا إلى هذا فإن الدعوة إلى الله عز وجل اليوم أصبحت فرضا عاما , وواجبا على جميع العلماء " .
وبهذا نعلم أن " كل واحد من الأمة يجب عليه أن يقوم من الدعوة بما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره وهو قادر عليه فعليه أن يقوم به , ولهذا يجب على هذا أن يقوم بما لا يجب على ذاك , وقد تقسطت الدعوة على الأمة بحسب ذلك تارة وبحسب غيره أخرى , فقد يدعو هذا إلى اعتقاد الواجب , وهذا إلى عمل ظاهر واجب , وهذا إلى عمل باطن واجب , فتنوع الدعوة يكون في الوجوب تارة , وفي الوقوع تارة " .
والأدلة على ذلك من نصوص الكتاب والسنة كثيرة , منها :
قوله تعالى ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) آل عمران104
وفي هذه الآية " حمَّل الله هذه الأمة واجب الدّعوة إلى الخير , نظرا إلى أن هذا الدين قد أشتمل على الخير الذي تدركه العقول السليمة .. , وحمّلها واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل جماعات المسلمين الذين عرفوا أوامر الدين وعرفوا حُسنها .. وعرفوا نواهي الدين وعرفوا قُبْحَها .. "
5) لا تنس نفسك من الهُدى :
فإن الداعية في زحمة الهموم الدعوية والمشاغل اليومية قد يهتم بالآخرين لكنه ينسى نفسه , ويغفل عن تربيتها على الخير والهُدى , " وهنا تحدث له آفات لا يشعر بها إلا بعد حين , ومنها خواء النفس وقسوة القلب وفتور الهمة , بل وانحراف النية أحيانا .."
6) كـُـــن قدوة حسنة :
وهذا يعني أن يكون الداعية صورة صادقة لكل ما يدعو إليه ويريد غرسه في المدعوين , بل أن يكون فعله وسلوكه قبل قوله وكلامه .
والاقتران بين الداعية والدعوة قائم في أذهان الناس , والداعية نفسه شهادة للدعوة , وهذه الشهادة قد تحمل الناس على قبول الدعوة , وقد تحملهم على ردها ورفضها والداعية عندما يكون بعيدا ً عن الالتزام بواجبات الإسلام وتكاليفه فإنه يكون فتنة للناس يصرفهم بسلوكه عن دين الله ويصير مثله كمل قاطع الطريق بل هو أسوأ .
ومما يرهب من مخالفة القول العمل ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :" يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه , فيدور فيها كما يدور الحمار في الرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون : يا فلان , الم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول : بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه " .
7) خاطب الناس على قدر عقولهم :
فالواجب على الداعية أن يرعِ جهل الناس واختلاف بيئتهم حتى لا تكون دعوته فيهم فتنة لهم ... قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه :" حدثوا الناس بما يعرفون , ودعوا ما ينكرون , أتحبون أن يكذّب الله ورسوله " رواه البخــــــــــاري .
ومن صور عدم مراعاة ما يفهمه الناس ما يلي :-
1- أن يطرح الداعية الخلافات الفقهية بتوسع بحيث لا يفقه الناس الراجح من المرجوح فيختلط عليهم الأمر .
2- أن يتكلم الداعية في مسائل دقيقة مثل القضاء والقدر مما يسبب للسامعين إشكالات هم في غنى عنها .
8) إنما أنت مُذكر :
وجه الله تعالى رسوله محمدا ً صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى عندما أمره بالدعوة والتبليغ ولم يطالبه بالنتيجة , فقال ( فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ) الشورى48
فالمطلوب من الداعية أن يبذل قصارى جهده , وأن يستخدم أحسن ما يستطيع من الأساليب ووسائل الدعوة , وأما استجابة المدعوين وقبولهم للحق وتركهم للمنكر فكل ذلك إلى الله يهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله , ومن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما ربك بظلاّم للعبيد .
ومن فوائد استشعار الداعية لذلك أن لا يصاب بالإحباط عند إعراض المدعوين عنه , وفيه حفظ لمشاعره وصون لنفسه , ومن ذلك قول الله لنبيه ( فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) فاطر8
9) لا دعوة إلا بعلم :
فعلى الداعية أن يعتقد أن لا دعوة بلا علم , والله تبارك وتعالى قال ( وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) الإسراء36
فلا يجوز لأيٍّ كان أن يقوم , بما ليس مؤهلا ً له , لئلا يفتي بغير علم أو يدعو بغي الأسلوب الحكيم , فيكون في الدين محرما ً , أو من الإسلام منفرا , ثم إن الدعوة على الله على غير علم خلاف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم , ومن تبعه .. والله أمر نبيه محمدا ً صلى الله عليه وسلم فقال ( قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) يوسف108
ولذا , دعوتك لا بد أن ترتكز على معرفة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لأن كل علم يتلقى عن سواهما فإنه يجب أن يعرض عليهما أولا ً وبعد عرضه فإما أن يكون موافقا ً أو مخالفا ً , فإن كان موافقا ً قـُـــبل , وإن كان مخالفا ً وجب رده على قائله كائنا ما كان .
10) جدد علمك وطور مهاراتك :
فالداعية لا يليق به أن يقف عند حد من العلم الشرعي بل عليه أن يستزيد منه يوما بعد يوم , فكلما زاد نفسه فقه في الدين كلما استطاع أن ينفع ذاته والآخريـــن .
ولا يصح مبررا ً للتوقف عن طلب العلم كثرة الانشغال بالأمور الدعوية فإن الناس لن يعذروا الداعية عند وقوعه في الزلل واخطأ ولن يقبلوا منه اعتذاره بالجهل .
11 ) لتكن جهودك الدعوية مكملة لبقية الدعاة :
ويمكن استفادة هذا المعنى من دعوة الله للمؤمنين في قوله ( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ... ) آل عمران104
فلقد سمى الله فئة الدعاة أمة للإيماء إلى وجوب كونهم مجتمعين على صفات وخصائص روابط متميزة تجعلهم ظاهرين في الناس كأمة واحدة لا تغرق بين أفرادها ولا اختلاف ولا تنازع على الدنيا التي تغذيها الشهوات والهوى .
12) كن مدركا لواقعك :
فإن معرفة الواقع العام للمجتمع يساعد الداعية على الاستفادة من كل فرصة سانحة , وحال الدعاة يشهد على أن فقه واقعهم سبيلٌ متأكد لنجاحهم في تحديد الأولويات فيما يدعون إليه .
13) ولا تتبع الهوى :
قد جعل الله إتباع الهوى مضادا ً للحق , وعدّه قسيما ً له كما في قوله تعالى ( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ) ص26
قال الشاطبي : فقد حصر الأمر في شيئين : الوحي , وهو الشريعة والهوى فلا ثالث بينهما وإذا كان الأمر كذلك فهما متضادات .. فإتباع الهوى مضاد للحق .
14) فاصبر صبرا ً جميلا ً :
فإن اعتياد الناس على معاصيهم , ودوام غفلتهم يحتاج إلى جهد دعوي مستمر , ولا يكون ذلك إلا بالصبر والمصابرة .
وعلى الداعية أن يوطن نفسه على تحمل كل ما يصيبه من أذى في ذات الله ويصبر ويحتسب لأنه يدعو إلى الانخلاع عن أخلاق وعادات وأعراف وتقاليد تأصلت في الناس حتى صارت كأنها جزء من حياتهم وما أنزل الله بها من سلطان , وهذا يؤدي إلى معارضته معارضة شديدة .
وصبر الداعية لا بد أن يشمل ثلاثة أمور وهي : الصبر على الدعوة , والصبر على من يعترض الدعوة , والصبر على ما يتعرضه من الأذى .
تم بحمد الله وتوفيقه ,,
المرجع : كتاب وصايا للداعية الجديد ( وقد ذكرته هنا مختصرا ً ليسهل قراءته واستيعابه )
المؤلف : عادل بن محمد العبدالعالي ..
المصدر / قافلة الداعيات